‘مخيمات شمال الضفة.. حين تغيرت ملامح المكان‘ - بقلم: علاء كنعان
بعد أكثر من عام على بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيمات شمال الضفة الغربية، التي تعرضت إلى دمار كبير وهدم للمنازل، يبقى اليوم السؤال الأهم هو: كيف تبدلت حياة عشرات آلاف الفلسطينيين الذين كانت هذه المخيمات عالمهم الوحيد؟
علاء كنعان - صورة شخصية
وما الذي يعنيه أن يبقى النزوح مؤقتاً لأشهر طويلة دون أفق واضح للعودة؟
لقد كانت المخيمات الفلسطينية بمثابة اقتصادٍ صغيرٍ، فيها الأسواق والمحلات التجارية الكبيرة والورش والمدارس والعيادات والعلاقات الاجتماعية المتشابكة، ومع النزوح الطويل فقد أهالي المخيمات بيوتهم ووظائفهم، وتقطعت شبكاتهم الاجتماعية، واضطر كثير من الطلبة إلى تغيير مدارسهم، بينما أصبحت الخدمات الصحية والإغاثية تُقدم بصورة مؤقتة خارج المخيمات، وهو ما عمّق الشعور بعدم الاستقرار.
ومنذ بدء العمليات العسكرية في مخيمات جنين و طولكرم ونور شمس، ما تزال قوات الاحتلال تتمركز داخل أجزاء من هذه المخيمات، فيما لم تستعد الحياة إيقاعها الطبيعي بعد؛ فالدمار لم يعد يقتصر على الشوارع أو المباني، بل طال البنية الاجتماعية الاقتصادية للمخيمات، وترك آثاراً عميقة على حياة عشرات آلاف الفلسطينيين.
تندرج هذه العمليات، وفق الموقف الإسرائيلي، ضمن مساعٍ للقضاء على البنية المسلحة في المخيمات، وقد رافقها تغير واسع في معالم المكان، شمل إعادة فتح وتوسيع بعض الشوارع، وهدم مئات المنازل أو تضررها، ما جعل العودة إلى المخيمات أكثر تعقيداً.
تغيرت ملامح هذه المخيمات بصورة غير مسبوقة، أحياء كاملة أزيلت معالمها، وشوارع جُرفت، ومنازل هُدمت كلياً أو جزئياً وأصبحت غير صالحة للسكن، واضطر أكثر من 40 ألف فلسطيني إلى النزوح القسري، بينهم نحو 21 ألفاً من مخيم جنين ومحيطه، ونحو 27 ألفاً من مخيمي طولكرم ونور شمس، بعد أن أصبحت مربعات سكنية كاملة غير صالحة للعيش، في عملية بدت أقرب إلى إعادة هندسة المكان وفرض واقع جديد، يجعل العودة إلى المخيمات أكثر تعقيداً، ويطرح أسئلة تتجاوز البعد الأمني إلى مستقبل هذه المخيمات نفسها.
وتشير البيانات الأممية إلى أن الدمار طال نحو 52% من مباني مخيم جنين، و36% من مباني مخيم طولكرم، و48% من مباني مخيم نور شمس، فيما أغلقت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عياداتها الرئيسية داخل هذه المخيمات، و استعاضت عنها بإحدى عشرة نقطة صحية في مناطق نزوح العائلات، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية.
مع استمرار النزوح، تحولت الحياة اليومية إلى حالة انتظار دائمة، انعكست على التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية، وأضعفت قدرة المجتمع على استعادة توازنه، كما أن استمرار تمركز قوات الاحتلال داخل المخيمات يفرض واقعاً أمنياً يمنع عودة الحياة إلى طبيعتها، ويؤخر إعادة الإعمار وعودة السكان، ويُبقي المخيمات في حالة مفتوحة من الاستنزاف الإنساني والاقتصادي.
لقد أعادت أحداث المخيمات وما واجهته، نقاشاً فلسطينياً واسعاً حول الكلفة التي تتحملها المخيمات عندما تتحول إلى ساحات مواجهة مفتوحة. فبعيداً عن البعد الأمني، فإن الثمن يدفعه المجتمع المحلي بأكمله؛ منازل مهدمة، واقتصاد محلي مشلول، ونزوح طويل، وتراجع في التعليم، وآثار نفسية على الأطفال، وتفكك تدريجي في النسيج الاجتماعي.
ومن هنا تبرز تساؤلات متزايدة حول كيفية حماية المخيمات وسكانها من تكرار سيناريوهات تقود إلى هذا الحجم من الخسائر، وكيف يمكن تعزيز صمودها من دون أن تبقى وحدها في مواجهة نتائج العمليات العسكرية المتكررة.
ويبقى السؤال الذي سيواجه الفلسطينيين في المرحلة المقبلة: هل تستطيع مخيمات شمال الضفة الغربية أن تتحمل سنوات أخرى من هذا الواقع، أم أن استمرار النزوح والدمار سيغيّر طبيعتها ووظيفتها الاجتماعية والسياسية التي حافظت عليها منذ عقود؟ فإعادة بناء الحجر قد تكون ممكنة، أما استعادة مجتمعٍ تفرقت عائلاته وتبدلت تفاصيل حياته، فهي معركة أطول وأكثر تعقيداً.
ومن هنا، فإن حماية مخيمات شمال الضفة تتطلب الحفاظ على الإنسان نفسه، وعلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي أبقى هذه المخيمات حية لعقود طويلة، رغم كل ما مرت به من اقتحامات وحصار وتهجير.
من هنا وهناك
-
الباحث أمير مخول يكتب في بانيت: طبول الحرب ليست بالضرورة مؤشراً لوقوعها
-
‘ الهوية والهجرة: إعادة تشكيل الانتماء عبر الحدود ‘ - بقلم: الدكتور حسن العاصي
-
مقال: الذكاء الاصطناعي بين إغراء النمو وكابوس البطالة: هل نصنع الازدهار أم نمهد لأزمة اقتصادية؟
-
‘قانون الاتصالات الجديد وخطره المباشر على الإعلام الحر‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
المحامي زكي كمال يكتب في بانيت: الانتخابات في اسرائيل تحت طائلة الامن والاحتلال ولا صلة لها مع مآسي المواطن
-
فريال حاج يحيى من الطيبة تكتب: نشهد معاً قطاف ثمار سنواتٍ من الجد والسهر والكفاح !
-
‘انسحاب تجريبي من الجنوب اللبناني و الطريق الصعب نحو اتفاق كامل‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
أمير مخول يكتب في بانيت: لماذا التلويح بحرب إسرائيلية تركية غير محتملة؟
-
‘دفاعاً عن الوجود: التصدي للفاشية واجب الجميع لحماية هويتنا وبقائنا على أرضنا‘ - بقلم: إياد إغبارية
-
مقال: حين تتحول الذكرى إلى مسؤولية وطنية‘ - بقلم: دلير إبراهيم من اربيل





أرسل خبرا