‘ لِمَنِ الأرض؟‘ - بقلم : سليم السعدي
كثيرون يتوهّمون أنهم أصحاب الأرض، يتعاملون معها كأنها إرثٌ أبديٌّ مختومٌ بأسمائهم، فإذا نازعهم فيها منازع اشتعل الغضب في صدورهم، وسالت الدماء دفاعًا عن وهم الملكية المطلقة. ومن هنا تبدأ الحروب،
سليم السعدي - صورة شخصية
وتُستباح المدن، ويُقتل الأبرياء، وتتحول الأرض التي خُلقت للعمران إلى ساحة خراب.
لكن لو عدنا إلى أصل الحكاية، إلى بداية الإنسان الأول، إلى قصة آدم، لوجدنا أن المسألة أعمق من حدود وسجلات وطوابير تسجيل. آدم لم يأتِ إلى الأرض مالكًا متسلّطًا، بل هبط إليها مبتلىً ومكلَّفًا. لم يقل: هذه أرضي أفعل بها ما أشاء، بل فهم أن وجوده فيها مرحلة، واختبار، ومسؤولية. كانت إقامته مؤقتة، مشروطة بالإصلاح والعمل، لا بالاستبداد والفساد.
الأرض — في ميزان العقيدة — ليست ملكًا مطلقًا لبشر، بل هي ملك لله وحده. الإنسان مستخلف فيها، لا متأله عليها. يعمل في ترابها، يأكل من خيراتها، يعمّرها بالعدل، ويُسأل عن كل قطرة دم أُريقت ظلمًا باسمها. فالملكية التي يتشبث بها البعض ليست إلا صكًا مؤقتًا في عمرٍ قصير، ثم يرحل الإنسان وتبقى الأرض شاهدة عليه، لا له.
التاريخ كلّه يصرخ بالحقيقة نفسها: أين ملوك بابل؟ أين قياصرة روما؟ أين أباطرة الشرق والغرب؟ كلهم ظنوا أن الأرض لهم، فابتلعتهم الأرض ذاتها. لم يحمل أحدٌ منهم شبرًا واحدًا إلى قبره، ولم ينجُ أحدٌ من سنّة الزوال. الأرض لا تُورَّث بالقوة إلى الأبد، بل تُتداول بين الناس وفق سننٍ إلهية لا تُحابي أحدًا.
إن أخطر ما يصيب الوعي البشري هو تحوّل الانتماء إلى تألّه، وتحول الحق في السكن والعمل إلى ادعاء امتلاك مطلق يُقصي الآخر ويستبيحه. هنا تتحول العقيدة إلى وقود صراع، ويُختزل الدين في شعارٍ سياسي، ويُختطف اسم الله لتبرير الطمع.
الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح:
الأرض لله.
والإنسان فيها عابر سبيل.
قيمته ليست فيما يملك، بل فيما يُصلح.
وكرامته ليست في السيطرة، بل في العدل.
من فهم أنه مستخلف لا مالك، عاش متوازنًا؛ يدافع عن حقه دون أن يتحول إلى ظالم، ويتمسك بأرضه دون أن يدّعي ألوهية القرار فيها. أما من ظنّ أنه صاحبها المطلق، فإنه أول من يخسرها، لأن سنن التاريخ لا ترحم المتكبرين.
فلنُعد تعريف علاقتنا بالأرض:
هي أمانة لا غنيمة،
مسؤولية لا امتيازًا،
اختبار لا جائزة دائمة.
ومن أدرك هذه الحقيقة، أدرك أن الصراع الحقيقي ليس على التراب، بل على القيم التي تُقام فوقه.
والله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
من هنا وهناك
-
‘تحالف الردع الثلاثي في مكة: معادلة أمنية جديدة تعيد رسم توازنات الخليج‘ - بقلم: د. مصطفى عبدالقادر
-
‘تحويل السؤال والنقد والمراجعة إلى ممارسة تربوية ومجتمعية‘ - بقلم: الباحث د. رافع حلبي – دالية الكرمل
-
‘ أنا لست صفرًا على اليسار ‘ - بقلم: هادي زاهر
-
‘العنف ليس قدرا‘ - بقلم: مصطفى عبد الفتاح
-
المعلّم السوبر مان - بقلم منال مصطفى
-
المحامي زكي كمال يكتب: التطرف الديني والقومي سبب الحروب والنزاعات
-
‘الممارسة الديمقراطية تكتمل عندما نحترم حقوق الذين نختلف معهم في الرأي‘ - بقلم : تيسير خالد
-
‘الانتخابات النصفية الأمريكية 2026: أزمة ترامب وإعادة تشكيل موازين القوة في واشنطن‘ - بقلم: بروفيسور حسين الديك
-
فقط تحدثت بالعربية... متى أصبحت اللغة سببًا للكراهية؟
-
‘تأجيل الانتخابات لا يطفئ أزمة.. بل يوسع جرح الوطن‘ - بقلم: فتحي كليب





أرسل خبرا