مقال: فخ الـ ‘Restart عندما تتحول الشاشة إلى مصيدة موت! - بقلم : أورلي سيلفينجر المديرة العامة لمؤسسة بطيرم
في الشهر الوطني لحماية الأطفال على الشبكة، يتمحور الخطاب العام غالبًا حول قضايا التنمر الإلكتروني، التشهير، أو المس بالخصوصية. هذه مواضيع هامة بلا شك، ولكن كمديرة عامة لمؤسسة بطيرم لأمان الأولاد، أطلب إدراج خطر إضافي

أورلي سيلفينجر المديرة العامة لمؤسسة بطيرم - تصوير عنبال مرماري
ملموس ومُلح أكثر على الطاولة، خطرٌ يمرّ تحت رادار معظمنا: انتقال "ألعاب الساحة" الخطيرة إلى داخل الشاشات الموجودة في جيوب أطفالنا.
في السنوات الأخيرة، نشهد توجهًا مقلقًا؛ فتحديات مثل "تحدي الاختناق" (Blackout Challenge)، استنشاق الغازات (Chroming)، أو القفز من القوارب المسرعة، لم تعد مجرد أعمال شغب هامشية، بل ظواهر واسعة الانتشار تقودها محركات نمو هائلة تُسمى شبكات التواصل الاجتماعي. أطفالنا الذين يشاركون في هذه التحديات لا يبحثون عن الموت، بل يبحثون عن الانتماء. إنهم يبحثون عن "اللايك"، عن شعور النصر اللحظي، وعن الاعتراف الاجتماعي من قِبل أبناء جيلهم.
لكن المشكلة أعمق من مجرد رغبة في لفت الانتباه؛ فهي تكمن في تلاشي الحدود المطلق بين العالم الافتراضي والواقع الفيزيائي. يقضي أطفال اليوم ساعات طويلة في عوالم الألعاب مثل "فورتنايت"، "ماينكرافت" أو "روبلوكس". في هذه العوالم، يواجه الأبطال مخاطر مرعبة، يسقطون في الهاوية، يتعرضون لإطلاق نار أو يتحطمون ، ثم يخرجون دون أي أذى.
في وعي الطفل الآخذ في التبلور، يتلاشى مفهوم "الموت الحتمي" (الموت الذي لا رجعة فيه). ففي اللعبة، عندما تظلم الشاشة، هناك دائماً "حياة" إضافية في الزاوية. هناك دائماً زر Restart بحيث انه دائماً يمكن البدء من جديد.
يتحول هذا الارتباك إلى ارتباك قاتل عندما ينتقلون من اللعبة الافتراضية إلى التجول في شبكات التواصل الاجتماعي. هناك، في "تيك توك" أو "إنستغرام"، يلتقون بـ "مجموعة الأقران" ، أطفال عاديون يقومون بحركات خطيرة ويبدون كمنتصرين. هنا تكمن الخدعة الكبرى للخوارزميات: فالشبكات تبرز وتُمجّد فقط ما "نجح."
يرى الطفل ذلك الفتى الذي قفز ونجا، لكنه لا يرى عشرات الأطفال الذين أصيبوا بجروح خطيرة، أو يعانون من تلف في الدماغ، أو دفعوا حياتهم ثمنًا لمحاولة تقليده. الطفل، الذي بُرمج دماغه على وعي "فرص الحياة الإضافية"، يدرك بأن الخطر افتراضي، وأن الجسد مرن، وأن "هذا لن يحدث لي".
يتضاعف الخطر نظرًا لحقيقة أن سن المراهقة الرقمية قد بدى مبكرًا بشكل دراماتيكي. فإذا كان المراهقون في الماضي يبلغون من العمر 16 عاماً ويمتلكون قدراً معقولاً من القدرة على التمييز والادراك، فإن أطفال اليوم في سن العاشرة باتوا بالفعل مكشوفين للعالم بأسره بين أيديهم. إن منظومتهم العاطفية تتوق للإثارة، لكن القسم المسؤول عن التفكير المنطقي وتقدير المخاطر، لا يزال بعيداً عن مرحلة النضوج.
أمام هذا الوهم تحديداً، نحن الآباء والأمهات، يتعاظم دورنا بشكل حقيقي. قد لا يُعجب الأطفال او قد يتململوا عندما نتحدث معهم عن هذه المواضيع، لكن الأبحاث والخبرة الميدانية تثبت: إن صوتنا، ومعرفتنا، وخبرتنا في الحياة يجب أن تُسمع وتتردد أصداؤها في أذهانهم؛ لأنها في اللحظة الحاسمة تشكل مرساة هامة لاتخاذ قرارهم الواعي.
إن دورنا لا يقتصر فقط على الحظر والمراقبة، بل يمتد لتربيتهم على "الفردانية". علينا أن نعلمهم أن كون الشخص "رائعاً" (Cool) ومحبوباً لا يتطلب السير الأعمى نحو الهاوية. علينا تغيير السردية، وتوضيح أن الشجاعة الحقيقية ليست في تعريض الحياة للخطر من أجل مقطع فيديو، بل في القدرة على قول "لا" عندما يقول الجميع "نعم". وأن التحدي الخطير ليس عملاً بطولياً، بل هو تصرف عبثي ومحرج.
في لحظة الحقيقة، عندما يقفون أمام الكاميرا ومعهم حبل أو عبوة غاز، يجب أن يتردد صدى صوتنا في أذهانهم ليقول لهم الحقيقة البسيطة: في الحياة الواقعية، لا توجد محاولة إضافية!
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
من هنا وهناك
-
الباحث أمير مخول يكتب في بانيت: طبول الحرب ليست بالضرورة مؤشراً لوقوعها
-
‘ الهوية والهجرة: إعادة تشكيل الانتماء عبر الحدود ‘ - بقلم: الدكتور حسن العاصي
-
مقال: الذكاء الاصطناعي بين إغراء النمو وكابوس البطالة: هل نصنع الازدهار أم نمهد لأزمة اقتصادية؟
-
‘قانون الاتصالات الجديد وخطره المباشر على الإعلام الحر‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
المحامي زكي كمال يكتب في بانيت: الانتخابات في اسرائيل تحت طائلة الامن والاحتلال ولا صلة لها مع مآسي المواطن
-
فريال حاج يحيى من الطيبة تكتب: نشهد معاً قطاف ثمار سنواتٍ من الجد والسهر والكفاح !
-
‘انسحاب تجريبي من الجنوب اللبناني و الطريق الصعب نحو اتفاق كامل‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
أمير مخول يكتب في بانيت: لماذا التلويح بحرب إسرائيلية تركية غير محتملة؟
-
‘دفاعاً عن الوجود: التصدي للفاشية واجب الجميع لحماية هويتنا وبقائنا على أرضنا‘ - بقلم: إياد إغبارية
-
مقال: حين تتحول الذكرى إلى مسؤولية وطنية‘ - بقلم: دلير إبراهيم من اربيل





أرسل خبرا