‘والي المدينة: ومضات تقبض على نبض الواقع وتفضح المستور‘ - قراءة نقدية موسّعة بقلم: رانية مرجية
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشظى التفاصيل، يطلّ علينا الأديب الفلسطيني سهيل إبراهيم عيساوي بعمله القصصي "والي المدينة" ليبرهن أن القصة القصيرة جدًا ليست مجرد فنٍّ هامشي، بل هي أداة حادة قادرة على تقطيع أوصال الواقع
رانية مرجية - صورة شخصية
وكشف طبقاته المخفية في ومضة لا تتجاوز بضعة أسطر. المجموعة، الصادرة في طبعتها الثانية عام 2025، عن "دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر"، تحوي أكثر من ستين نصًا قصصيًا، تتوزع بين النقد الاجتماعي والسياسي، والسخرية السوداء، والحنين، والتأمل الفلسفي.
هذه النصوص، على قصرها، مشبعة بطاقة رمزية عالية، وصور مشهدية مكثفة، وخواتيم صادمة أو مفتوحة، ما يجعلها أقرب إلى طلقات فكرية وجمالية تصيب القارئ في الصميم.
البنية الفنية: الاقتصاد الماكر
فن القصة القصيرة جدًا، كما يتجلى في "والي المدينة"، يقوم على اقتصاد لغوي صارم، وحذف كل ما هو فائض، حتى لا يبقى سوى الهيكل العظمي للفكرة واللحم الحي للصورة. يبدأ عيساوي غالبًا بمشهد واقعي مباشر، ثم يترك للقارئ لحظة كشف أو صدمة في الجملة الأخيرة، فيحوّل مسار القراءة من الظاهر إلى الباطن، ومن المألوف إلى المدهش.
هذا "الاقتصاد الماكر" يجعل النصوص قابلة للتأويل على مستويات عدة: سياسي، اجتماعي، وجداني، وأحيانًا أسطوري.
الثيمات الكبرى في المجموعة
1. السلطة والفساد
في نصوص مثل "صفعة", "صندوق الانتخابات", و*"والي المدينة"*, تتحول السلطة إلى مسرح عبثي، حيث الحاكم قد يتلقى الصفعة في الحلم، لكن المواطن يصحو ليجد نفسه بلا كف. الديمقراطية هنا ليست سوى طقس شكلي ينتهي بمنح المواطن "صوتًا" مقرونًا بـ"سوط".
2. الهوية والانتماء
في "لأنك عربي"، الهوية تصبح تهمة، وفي "برتقال يافا" تتحول الثمرة إلى أيقونة ذاكرة، بينما في "وطن" يقف الوطن مثخن الجراح، يحاول النهوض وسط الحبال والسكاكين. هذه النصوص تجعل الانتماء فعل مقاومة بحد ذاته.
3. النفاق الاجتماعي
"ضمير", "الواعظ", و*"شاعر المرأة"* تفضح ازدواجية الخطاب والسلوك. الواعظ النهاري مُشعل الفتنة الليلي، والشاعر الذي ينادي بحقوق المرأة ينقض عليها بصفعة تُسقط كل قصائده.
4. الحنين والفقد
"شجرة زيتون معمرة", "حبات المطر", و*"وردة حمراء"* تنقل إحساس الفقد والحنين، حيث الأشياء تحمل أرواحًا، والزمن يتجسد في شجرة أو قطرة مطر أو عبق وردة باقٍ رغم عقود.
5. السخرية السوداء
"مسعف", "لايك", و*"تاجر الحمير"* تمزج الضحك بالألم، وتكشف خواء القيم الحديثة في زمن الوجاهة الافتراضية والاستهلاك المفرط.
اللغة والصورة: بين الواقعي والرمزي
اللغة في "والي المدينة" مشهدية، تميل إلى البساطة الماكرة، حيث الجملة القصيرة تخفي وراءها عمقًا دلاليًا. الصور تتراوح بين:
واقعية: كما في "في المطعم", حيث يُختصر جمود العلاقات الأسرية في مشهد أطباق لم تُمس.
رمزية: كما في "الزيتونة"، التي تُقتلع لتثمر زيتونًا رغم التلاعب بجيناتها، في استعارة عن الهوية التي لا تُمسخ.
أسطورية: كما في "طائر العنقاء"، الذي ينهض من رماد الأساطير ليحرق عيون الواقعية البليدة.
البعد الفلسفي
برغم التكثيف، يزرع عيساوي أسئلة وجودية كبرى:
ما العدالة؟ وهل تتحقق أم تظل يوتوبيا مؤجلة؟ (والي المدينة)
هل يمكن للحب أن يعيش خارج النصوص والمسلسلات؟ (حب من الدرجة العاشرة)
أين يقيم الضمير حين يُستأصل طوعًا؟ (ضمير)
ما حدود الحرية في وطن مثخن بالسلاسل؟ (وطن)
أهمية العمل
"والي المدينة" ليس مجرد ترف فني، بل هو أرشيف وجداني وفكري لزمن عربي وفلسطيني مأزوم، يُقرأ اليوم كتوثيق للحظة، ويمكن أن يُقرأ غدًا كشهادة على عصر. قوته تكمن في أنه يمنح القارئ نصوصًا صغيرة في حجمها، لكنها تفتح أبوابًا واسعة للتأمل والنقاش.
خاتمة
سهيل عيساوي في "والي المدينة" يمارس كتابة الومضة كمن يمسك عدسة مكبرة على تفاصيل الواقع، فيكشف القبح والجمال، العبث والمعنى، الضحك الممزوج بالدمع. إنه كتاب يمكن قراءته على جرعة واحدة، أو تذوقه نصًا نصًا، لكن أثره سيظل طويل المدى.
من هنا وهناك
-
مقال: غابات مصغّرة في المدن ستعمل كمكيفات !
-
الباحث أمير مخول يكتب في بانيت: طبول الحرب ليست بالضرورة مؤشراً لوقوعها
-
‘ الهوية والهجرة: إعادة تشكيل الانتماء عبر الحدود ‘ - بقلم: الدكتور حسن العاصي
-
مقال: الذكاء الاصطناعي بين إغراء النمو وكابوس البطالة: هل نصنع الازدهار أم نمهد لأزمة اقتصادية؟
-
‘قانون الاتصالات الجديد وخطره المباشر على الإعلام الحر‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
المحامي زكي كمال يكتب في بانيت: الانتخابات في اسرائيل تحت طائلة الامن والاحتلال ولا صلة لها مع مآسي المواطن
-
فريال حاج يحيى من الطيبة تكتب: نشهد معاً قطاف ثمار سنواتٍ من الجد والسهر والكفاح !
-
‘انسحاب تجريبي من الجنوب اللبناني و الطريق الصعب نحو اتفاق كامل‘ - بقلم: كمال إبراهيم
-
أمير مخول يكتب في بانيت: لماذا التلويح بحرب إسرائيلية تركية غير محتملة؟
-
‘دفاعاً عن الوجود: التصدي للفاشية واجب الجميع لحماية هويتنا وبقائنا على أرضنا‘ - بقلم: إياد إغبارية





أرسل خبرا