logo

المحامي زكي كمال يكتب: الامتحان الحقيقي للمعاهدات الدولية هو التنفيذ وليس التصريح والتوقيع

21-08-2026 08:50:24 اخر تحديث: 21-08-2026 09:54:10

يستعرض الكاتب، المحامي زكي كمال، في هذا المقال خلاصة خبرته القانونية الممتدة لسنوات طويلة، مقدّمًا تحليلًا مهنيًا معمّقًا للقضية، مع التطرّق إلى جوانبها القانونية والعامة والعملية.

المحامي زكي كمال - تصوير: موقع بانيت وقناة هلا

لم يكن تنفيذ الاتّفاقيّات عامّة والسياسيّة خاصّة بين الدول، ومثله تنفيذ التعهّدات السياسيّة وتطبيق القرارات السياديّة للدول، موضع شكّ أو سؤال في الماضي، بل على العكس من ذلك، فقد كانت قضيّة مفروغًا منها تمامًا، بمعنى أن الاتّفاقيّات لم توقَّع إلا ليتمّ تنفيذها بحذافيرها. والأمثلة في العالم والمنطقة كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، اتّفاقية كامب ديفيد، والتي أرست قواعد السلام بين مصر وإسرائيل مطلع ثمانينات القرن الماضي، وجاءت بعد زيارة الرئيس المصريّ الراحل أنور السادات إلى إسرائيل، ومثلها اتّفاق السلام بين إسرائيل والأردن من العام 1994 والذي وقّعه الملك حسين عاهل الأردن الراحل ورئيس وزراء إسرائيل يتسحاق رابين برعاية الرئيس الأمريكيّ الأسبق بيل كلينتون، لكنّ الأمور تغيّرت كما يبدو في العقود الأخيرة، لتصبح الثقة التامّة التي كانت سائدة حول التزام الدول بالاتّفاقيّات والمعاهدات موضع شكوك ومحلًّا للتساؤل والضبابيّة، سمة العصر الحديث، وذلك لأسباب عديدة موضوعيّة، وإن لم تكن في نظري مبرّرة أو مقبولة، كمن يحمل فكرًا سياسيًّا يدعو إلى الصدق والشفافية، وكرجل قضاء يعتبر الاتّفاقيّات وقرارات الجهاز القضائيّ نصًّا للتنفيذ وليس للمناورة والمراوغة أو للنقض. ومن هذه الأسباب تراجع القيم الأخلاقيّة في السياسة وتغليب المصالح الحزبيّة والفئويّة وتعاظم قوّة التوجّهات الشعبويّة والمواقف المتطرّفة الوطنيّة، وسنعود إلى ذلك في سياق هذا المقال، وتراجع هيبة القانون الدوليّ والمؤسّسات الدوليّة والأمميّة ومنها خاصّة الأمم المتحدة وحتى مجلس الأمن الدوليّ، وتزايد الاعتماد على القوة العسكريّة أوّلًا والاقتصاديّة ثانيًا لحلّ النزاعات، يشهد العالم الجديد حالة تكثر فيها من جهة الاتّفاقيّات السياسيّة الموقّعة بين الدول، بينما يضعف من جهة أخرى مدى التزام نفس الدول بها، وربما أكثر من ذلك، فاتّفاقيّات سياسيّة بين الدول يتمّ التوقيع عليها وسط افتراضات أو احتمالات مسبقًا بأن لا يتمّ تنفيذها الفعليّ على الأرض، فضلًا عن أن اتّفاقيّات بين الدول يتم التوقيع عليها لأهداف سياسيّة وإعلاميّة. ولنا في العام الأخير أمثلة كثيرة منها الاتّفاقيّات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي يتمّ توقيعها أو صياغتها في البيت الأبيض وإعلانها دون رصيد ومنها أيضًا اتفاقيّة غزة المعروفة بنقاطها الخمس عشرة، وكلّها اتّفاقيّات يلفّها ضباب التنفيذ واحتمالات الفشل، أو تراجع بعض الأطراف عنها. وهو أمر يضع النظام القانونيّ الدوليّ أمام اختبار حقيقيّ يتعلّق بجدوى وفائدة وصدق الاتّفاقيّات السياسيّة، خاصّة وأن المعاهدات الدوليّة الكبرى، مثل اتّفاقيّات نزع السلاح النوويّ أو اتّفاقيّات المناخ، فقدت قيمتها وبالتالي تثور الشكوك الكثيرة حول المنطلقات الحقيقيّة للاتّفاقيات ومدى صحّتها ونزاهتها، حتى أن كثيرين يجزمون اليوم أن التحالفات والاتّفاقيّات الدوليّة كلّها معرّضة للتغير، أو حتى الإلغاء أو التحريف وحتى الانسحاب التامّ منها، بحكم تغيّر القيادات والسياسات، واتّفاقيّات أوسلو من العام 1993، ربما مثال على ذلك.

من النظرية إلى التطبيق
ما سبق تجسّد في أمرين أوّلهما اللقاء الذي جمع هذا الأسبوع في إسرائيل، رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو والمبعوث الأمريكيّ للشرق الأوسط جاريد كوشنير، صهر الرئيس دونالد ترامب وطوني بلير ونيكولاي ملادينوف كممثّلين عن مجلس السلام في غزة إضافة إلى مشاركة رئيسي "الشاباك" والاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة، في محاولة لنقل خطّة "مجلس السلام" المكوّنة من 15 بندًا بشأن غزة من النظريّة إلى التطبيق، عبر ممارسة الضغط على إسرائيل، دون قطع شعرة معاوية، تفاديًا لقيامها بوضع عراقيل أمام الخطّة الأمريكيّة المتعلّقة بالمرحلة الثانية من التهدئة في غزة، في أفضل تجسيد على أرض الواقع لقضيّة الاتفاقيّات الدوليّة التي لم تعد ملزمةً للدول، بل يمكنها إعلان الموافقة عليها ثمّ التراجع ثمّ الموافقة المشروطة أو حتى الانسحاب التامّ منها، وهو ما حدث فعلًا في قضيّة النقاط الخمس عشرة، ليتحوّل الموقف الإسرائيليّ من القبول والموافقة، وحتى إقرار ذلك في جلسة خاصّة للمجلس الوزاريّ المصغَّر للشؤون الأمنيّة والسياسيّة في السادس والعشرين من تموز بمعارضة وزير واحد هو الوزير إيتمار بن غفير، عبر السماح لأعضاء مجلس السلام بدخول غزّة، لكن موافقة إسرائيل على هذه الاتفاقيّة الدوليّة مقابل الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب سرعان ما تحوّلت إلى نقض للاتفاق وانسحاب منه، نحو الرفض المعلن مع إعلان نتنياهو في التاسع من شهر آب الحالي، رفض إسرائيل لوثيقة النقاط الـ 15 بشكلها الحاليّ، ورفض أيّ انسحاب إسرائيليّ حتى ولو كان جزئيًّا من الخطّ الأصفر، قبل تفكيك سلاح حركة حماس، الخفيف منه والثقيل وكذلك الأنفاق، وصولًا إلى ما تمخّض عنه هذا اللقاء وهو القبول المشروط واشتراط ذلك بدلًا من تفكيك السلاح بتسليم أسلحة حماس لتدميرها تحت إشراف أمريكيّ كخطوة أولى، وربط إعادة إعمار غزة أو انسحاب من "الخطّ الأصفر" بتحقّق هذا النزع التامّ للسلاح أوّلًا، مع الموافقة رغم ذلك على بدء الترميم والإعمار في قضايا تتعلّق بالصحة والبيئة والمياه العادمة، وما تشكّله من أمراض ومخاطر صحيّة جسيمة، وكلّها تغيُّرات سببها رغبة نتنياهو في إرضاء ائتلافه اليمينيّ خاصّة وأنه على عتبة انتخابات لا تبشّر الاستطلاعات حولها خيرًا، في تفضيل وتغليب للمصالح الحزبيّة والفئويّة وخضوع للتوجّهات الشعبويّة والمواقف المتطرّفة الآنيّة.

شرعنة لخليل الحيّة وإعطاؤه مكانة زعيم دولة
الأمر لا يتوقّف هنا، ولا ينحصر في إسرائيل فحسب، فنقض الاتّفاقيّات والتعهّدات، وهذه المرّة تحديدًا القرارات السياديّة القضائيّة والسياسيّة، بل يصل الولايات المتحدة، خاصّة وأن كوشنير التقى نتنياهو مباشرة بعد لقائه خليل الحيّة زعيم حركة حماس في القاهرة، رغم كونه منذ سنوات شخصيّة وازنة في حماس، ونائبًا ليحيى السنوار، قبل أن يصبح خليفته في قيادة حماس، ناهيك عن كونه يتبنّى نهجًا متطرّفًا ومتشدّدًا لإسرائيل التي حاولت اغتياله في الدوحة العاصمة القطريّة، كما أنه يدعو وبشدّة إلى تعزيز التعاون مع إيران، وهو الذي وصف هجوم أكتوبر بأنه لحظة تاريخيّة، في لقاء اعتبره الإسرائيليّون شرعنة لخليل الحيّة وإعطاءه مكانة زعيم دولة، وليس ذلك فقط، بل إنه لقاء يناقض قرارات الإدارة الأمريكيّة نفسها وهي التي تصنف حماس منذ 8 أكتوبر 1997 على أنها منظّمة إرهابيّة أجنبيّة ما استوجب فرض عقوبات شديدة على قيادات الحركة، ومحاولة القضاء على نشاطات وشبكات تمويلها، واشتراط أيّ أفق سياسيّ في غزة بنزع سلاحها، ورغم ذلك، جاء هذا اللقاء في تجسيد لكون خرق القرارات السياديّة والاتّفاقيّات يتمّ حتى من واضعيها إذا كان ذلك يخدم مصالحهم، وهنا حاليًّا مصلحة ترامب الذي يريد قبل الانتخابات النصفيّة تحقيق إنجاز في غزة بعد أن فشل في إيران حاليًّا، مع ضرورة الإشارة هنا إلى حدث معاكس تمامًا بفعل الظروف والمصالح السياسيّة حينها، وهو اللقاء بين آدم بوهلر، مبعوث دونالد ترامب لشؤون الرهائن، مع قادة حماس، على الرغم من تصنيف الولايات المتحدة للجماعة كمنظّمة إرهابيّة، وقوله إنه يتفهّم غضب الإسرائيليين، وأن الولايات المتحدة ليست عميلة لإسرائيل، بل لديها مصالحها الخاصّة، ووصفه قادة حماس بأنهم ليسوا أغبياء بل هم بشر مثلنا، وهو ما أثار عاصفة كبيرة في إسرائيل وواشنطن انتهت إلى سحبه ترشيحه لمنصب المبعوث الرسميّ للإدارة الأمريكيّة، واستبداله بمنصب لا يتطلّب موافقة مجلس الشيوخ، بل يعمل مباشرة مقابل الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجيّة ماركو روبيو.

محاولة لإعادة مياه العلاقات المصريّة الإسرائيليّة إلى مجاريها
القضيّة الثانية التي تتعلّق بالاتفاقيّات الثنائيّة أو الثلاثيّة بين الدول، يتعلّق بما نشرته الأسبوع الماضي وسائل إعلام إسرائيليّة من معلومات حول محادثات جرت قبل أشهر بين دولتين عربيتين، وهي محادثات حصلت إسرائيل على معلومات واضحة وموثوقة حولها، تضمّنت مقترحًا لخداع إسرائيل عبر قيام إحداها بتوقيع اتّفاق سياسيّ مع إسرائيل، ثم نقضه والدخول في حرب مستقبلًا بعد تغيير موازين القوى، وهو ما أثار نقاشات حادّة حول جدوى وصحّة وصدق الاتّفاقيّات التي يمكن لإسرائيل أن توقّعها مع الدول العربيّة، خاصّة وأنه جاء في التقارير الإخباريّة أن زعيمًا عربيًّا اقترح على دولة عربيّة أخرى توقيع اتّفاق مع إسرائيل في المرحلة الحاليّة، حتى لو كانت في موقع ضعف، واستغلال الفترة التي تلي الاتفاق لتعزيز قدراتها العسكريّة والاستعداد لحرب كبيرة في الوقت الذي تتوفّر فيه الظروف الملائمة، مع الإشارة هنا إلى أن الرقابة العسكريّة الإسرائيليّة لم تسمح بنشر تفاصيل حول هويّة الدولتين أو هويّة الزعيم العربيّ الذي قدّم الاقتراح، لكنّها سمحت بنشر حقيقة أن هذه المعلومات سكبت الماء البارد على اتّصالات وتعامل إسرائيل مع الدولتين المذكورتين، وجمدَّت أو خففت من وتيرة اتصالات مرتبطة بتوسيع دائرة الاتّفاقات السياسيّة والتطبيع في المنطقة، ورغم ما سبق سارع مساعدو نتنياهو إلى الإعلان أن الحديث لا يدور عن مصر، وهي التي تربطها بإسرائيل اتّفاقيّة سلام لم تكن حصينة من خروقات إسرائيليّة سنعود إليها، وهو تصريح اعتبره كثيرون محاولة لإعادة مياه العلاقات المصريّة الإسرائيليّة إلى مجاريها، بعد أن تكشّفت حقيقة كون مساعدي نتنياهو والعاملين في ديوانه وخاصّة مستشاره المقرَّب يونتان أوربخ، قد نظّموا حملة دعائيّة مدفوعة الأجر لتشويه سمعة مصر وإظهارها على أنها وسيط غير نزيه، وأنها ربما تحرّك قوّاتها المسلّحة لمهاجمة إسرائيل عبر شبه جزيرة سيناء، والهدف تفضيل قطر كوسيط مقابل حماس في قضيّة الرهائن، قبل أن تتكشّف حقيقة حصولهم على أموال طائلة من قطر مقابل ذلك، وهو ما يعرف باسم فضيحة قطر غيت، مع ضرورة الإشارة هنا إلى توقيت نشر هذه المعلومات وتزامن ذلك مع توقيع اتّفاق مكة، للدفاع المشترك بين المملكة العربيّة السعوديّة وتركيا والباكستان في السابع من شهر آب الحالي، ودعوة مصر إلى الانضمام إليه، ما يثير الأسئلة حول هويّة الجهة التي سرّبت هذه المعلومات وأهدافها، وكذلك أهداف نشر المعلومات التي تقول أن مصر ليست طرفًا في المعلومات سابقة الذكر، في تبرئة لساحتها، أو ربما تصريحات تجعلها مدينة لإسرائيل مثلًا التي عرفت بما حدث لكنّها لم تتّخذ خطوات ضدها، وقد يكون الخبر المذكور كلّه عارٍ عن الصحّة، أو جزء من التضليل السياسيّ الذي تتبعه العديد من الدول وبضمنها إسرائيل والولايات المتحدة.

استغلال المعاهدات كأداة مؤقّتة للمناورة
وإذا كانت الاتّفاقيّات السياسيّة والأمنيّة في العالم تشهد صراعًا مستمرًّا بين الالتزام بنصوصها أو خرقها باعتبارها مرهونة بموازين القوى، وسط غياب للسلطة الدوليّة وللضمانات الحقيقيّة، فكم بالحريّ في منطقة الشرق الأوسط التي تشتهر بتضارب المصالح، لتتراوح بين احترام الاتّفاقيّات بسبب مكاسب اقتصاديّة، أو أمنيّة أو بسبب ضغوطات من دولة عظمى، أو خرق هذه الاتّفاقيّات بسبب تغيير سياسات طرف ما من أطرافها، كما حدث بعد صعود اليمين ونتنياهو وزيادة قوة التيّارات اليمينيّة المتطرّفة في إسرائيل لوقف تنفيذ الاتّفاقيّات وإضعاف السلطة الفلسطينيّة، خاصّة بعد التغيّرات التي شهدها النظام العالميّ وبقاء الولايات المتحدة قوّة عظمى وحيدة، بخلاف ما حدث مع توقيع الاتفاقيّات تلك، واعتبار الولايات المتحدة وروسيا الراعيين لها، وهو حالة يمكن وصفها بأن إسرائيل استخدمت بما يتعلّق باتّفاقيّة أوسلو، ما يتمّ تعريفه في السياسات البراغماتيّة بأنّه استغلال المعاهدات كأداة مؤقّتة للمناورة، وتحسين المواقف قبل نقض الاتّفاقيّات التي تعتمد وفق القانون الدوليّ، أو يجب أن تعتمد على مبدأ حسن النوايا، فالشرق الأوسط واتّفاقيّاته تعاني خروقات متواصلة، منها ما يتعلّق بالاتّفاقيّات بين مصر والأردن وإسرائيل، حيث شهدت خطوات من طرف إسرائيل اعتبرتها مصر خرقًا لمعاهدة السلام المصريّة - الإسرائيليّة، تركّزت حول قضايا الحدود والأمن والنشاطات العسكريّة الإسرائيليّة في محور فيلادلفيا (محور صلاح الدين) خلافًا للترتيبات الأمنيّة وفقًا لمعاهدات كامب ديفيد والتي تمنع أيّ تواجد عسكريّ إسرائيليّ على بعد كيلومترات من الشريط الحدوديّ، ناهيك عن الحديث في إسرائيل عن نقل فلسطينّيي غزة إلى سيناء واعتبرت ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنها القوميّ، وخطوات اعتبرها الأردن خرقًا لمعاهدة السلام بينه وبين وإسرائيل (اتّفاقيّة وادي عربة)، منها ما يتعلّق بالوضع الراهن في المسجد الأقصى، التوتّرات المستمرّة حول الوصاية الهاشميّة على المقدّسات الإسلاميّة في القدس والسياسات الإسرائيليّة فيها، والوضع في الضفة الغربيّة، ومنها الحديث عن وطن فلسطينيّ بديل، إضافة إلى أزمات المياه والحدود، إثر تقليص إسرائيل حصص المياه المتّفق عليها في المعاهدة في بعض الفترات، فضلًا عن استعادة الأردن لسيادته على منطقتي الباقورة والغمر وإلغاء الملاحق الخاصّة بهما، وهو الحال مع سوريا أحمد الشرع، ورغم الحديث الأمريكيّ على الأقلّ عن اتّفاق أمنيّ محتمل بين سوريا وإسرائيل برعاية أمريكيّة، يضمن عدم وقوع أعمال عسكريّة متبادلة، تتواصل العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة في سوريا وآخرها مطلع هذا الأسبوع، عبر غارات إسرائيليّة على قاعدة "أبو الظهور" الجويّة في شمال غرب البلاد، بعد ساعات من زيارة وفد تركي لها لبحث إمكانيّات ترميمها، وهو خطوة اعتبرتها الولايات المتحدة عبر مبعوثها ومندوبها توم باراك، تصعيدًا غير ضروريّ، كما تتّهم الأطراف الفلسطينيّة واللبنانيّة إسرائيل بتنفيذ مئات الخروقات المتكرّرة لاتّفاقيّات وقف إطلاق النار والهدنة في غزة ولبنان، من خلال الغارات الجويّة والعمليّات العسكريّة والاغتيالات بينما تتّهم إسرائيل حماس وحزب الله بخروقات للاتفاقيّات في غزة ولبنان خاصّة قضيّة الطائرات المسيّرة في لبنان .

الفارق بين توقيع الاتّفاق واحترامه كبير
ختامًا، توقيع الاتّفاقيّات الدوليّة هو خطوة سياسيّة قانونيّة تبدأ بالمفاوضات السريّة أحيانًا وتلك العلنيّة أحيانًا أخرى، وتنتهي بنصّ رسميّ على الورق، لكنّ هذا النصّ، ورغم تفاؤل الجميع بها ورغبتهم في نجاحها خاصّة في حالة الأزمات العسكريّة والحروب، هو الخطوة الأولى بمعنى أن احترامها يتمّ فقط عبر التزام أطرافها ببنودها كاملة انطلاقًا من كونها تضمن المصالح المتبادلة، والفارق بين توقيع الاتّفاق واحترامه كبير، فالشقّ الأول قد يكون سهلًا وسريعًا، بينما يعتمد الشقّ الثاني على صدق النوايا والشجاعة السياسيّة والالتزام المستمر ووجود القوة القانونيّة والأخلاقيّة التي تضمن الحفاظ عليها والالتزام بها، أمام عوامل كثيرة خارجيّة وداخليّة يمكنها أن تشكِّل نوايا مبَيّتة لخرق الاتّفاق والانسحاب منه لاحقًا خدمة لمصالح ضيّقة، ومن هذه العوامل تغير المصالح السياسيّة للدول، وغياب سلطة دوليّة قويّة للردع أو ضغوط داخليّة أو شعبيّة رافضة للاتّفاق وغموض في صياغة ونصّ بنود الاتفاق تمكّن أطرافها من تأويلها بشكل مختلف، والأهمّ من ذلك انعدام الثقة بين الجهات المتنازعة، واعتقاد كلّ منها أن الطرف الآخر سيبحث بكلّ ما أوتي من قوّة عن مخرج أو مهرب من الاتفاق وسيجد الأعذار لخرقه، وذلك ينبع أحيانًا من تجارب تاريخيّة تختلف حولها التأويلات ومنها صلح الحديبيّة مثلًا بما يتعلّق باتفاقيّات بين حماس وإسرائيل، وهذا ينسحب أيضًا على احتمالات السلام الشامل والدائم بين الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب وإيران والتي تبدو ضعيفة جدًّا ومنخفضة للغاية في الوقت الحاليّ، خاصّة بعد فشل بل انهيار مذكرة التفاهم المؤقّتة من شهر حزيران يونيو 2026، والتصعيد المتبادل بين الطرفين والتهديدات الأمريكيّة وآخرها يوم الثلاثاء من هذا الأسبوع عبر إعلان مضيق هرمز منطقة خاضعة للسيادة الأمريكيّة، والشروط المتبادلة والتي يمكن وصف بعضها بأنها تعجيزيّة تعرقل مساعي التسوية الدبلوماسيّة بسبب السقف المرتفع لمطالب الطرفين وخاصّة مطالبة ترامب طهران دفع تعويضات ضخمة عن أضرار وخسائر امتدت لعقود، ومطالبة طهران رفع العقوبات عنها وإنهاء الحصار البحريّ، والحصول على تعويضات أمريكيّة وإسرائيليّة عن الضربات العسكريّة، ورفض واشنطن أيّ ترتيبات تمنح طهران حقّ فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز، وإصرار الإدارة الأمريكيّة على تفكيك القدرات النوويّة والصاروخيّة الإيرانيّة، وارتباط المواجهة بين البلدين بتوتّرات في مناطق أخرى في الشرق الأوسط، دون أن ننسى المقولة الشهيرة حول كون الانفراج لا يأتي إلا بعد التصعيد والسلام لا يأتي إلا بعد الحرب، وحول إمكانيّة أن تنتهي المواجهة الحاليّة، وانطلاقًا من مصالح مشتركة إلى علاقات سياسية متينة بين الطرفين خاصّة مع ضعف روسيا، ورغبة الولايات المتحدة في الحدّ من نفوذ الصين العالميّ في مجالي الاقتصاد والسياسة، وفق القول الشهير: "في السياسة ليس هناك عدوّ دائم، أو صديق دائم هناك مصالح دائمة" لونستون تشرشل، ورغم ما سبق ونظرًا لخصوصيّة الحال بين واشنطن وطهران، تلوح في الأفق مخاوف حقيقيّة سترافق أيّ اتّفاق سلام أو مصالحة بين أمريكا وإيران، لأنه قد يفشل بسبب مواقف دول إقليميّة منها إسرائيل ودول الخليج، أو نشاطات غير محسوبة من الجماعات المسلّحة الحليفة لإيران، أو عودة الخلافات حول البرنامج النوويّ وعقوبات واشنطن، أو رفض المتشدّدين في البلدين للاتّفاق وتغيير الإدارات السياسيّة، ما يعني أن الحفاظ على الاّتفاقيّات أصعب من تحقيقها وصياغتها، وأن الحفاظ على السلام يتطلّب الشجاعة والتنازلات وتغيير المواقف والآراء المسبقة، وهذه مسؤوليّة سياسيّة وأخلاقيّة على طرفي الاتّفاق، عملًا بقول الرئيس المصري ّ محمد أنور السادات" :إن السلام إذا لم يرتبط بالعدل لا يصبح سلامًا، وإنما يصبح قبولًا بالأمر الواقع المفروض بقوة العدوان"، أو قول الرئيس الأمريكيّ جون كينيدي: "السلام هو عمليّة يوميّة، أسبوعيّة، شهريّة، وتغيير تدريجيّ للآراء، وتفكيك الحواجز القديمة ببطء، وبناء هيكليّات جديدة".. فهل شرقنا مستعدّ لذلك؟؟

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]