المحامي زكي كمال - تصوير: قناة هلا وموقع بانيت
لبدء تنفيذ مراحل إعادة الإعمار في غزة بكل ما يحمله ذلك من بنود تتعلّق بإنهاء تواجد حركة "حماس" كعامل وجسم سلطويّ من جهة وكحركة مسلّحة من جهة أخرى، وفق مصطلح نزع السلاح أو مبدأ سلاح واحد، سلطة واحدة، وحكم واحد كما جاء في نص البنود الـ 15، وانسحاب إسرائيل إلى ما وراء الخطّ الأصفر ثم الانسحاب النهائيّ، وبداية عهد حكومة التكنوقراط في غزة، تتواصل القضيّة والرواية ويُكتب فصل آخر لن يكون الأخير في الحكاية، تشكّل محاولة دوليّة وعربيّة وفلسطينيّة، كي تنهض غزة ببشرها قبل حجرها ومواطنيها قبل مساكنها وبسيرورة حياتها الإنسانيّة الأساسيّة قبل بناها التحتيّة، من أتون حرب تنهي بعد شهرين من اليوم وبالتمام والكمال عامها الثالث، كانت شرارتها وسببها هجمات مسلّحي حماس وفظائعهم في السابع من أكتوبر عام 2023، في محاولة أخشى أن تكون الأخيرة نحو بناء كيان ينعم مواطنوه بحياة كباقي البشر، تبدأ بحصولهم على حقوقهم الأساسيّة في العيش الكريم تحت سلطة تبتعد عن التزمّت والتطرّف الدينيّ ووسط سلّم أولويّات يضع المواطن في المركز ويهتمّ بمصالحه وتبعًا لذلك تكون رفاهيته في المكان الأول، ولضمانها يتم تكريس الميزانيّات والخطط والسياسات نحو استقلال اقتصاديّ يشكّل مرحلة جديدة من اعتماد تلك المنطقة على الذات، وبناء ما يلزم لضمان التعليم والتشغيل والصناعة والدخل، كنهاية لعقود من المواجهات العسكريّة المتكرّرة الداخليّة، وسنعود إليها، ومع إسرائيل، وعقود من الاعتماد على المساعدات الدوليّة وحملات إعادة الإعمار الخارجيّة بعد كل حرب ومواجهة عسكريّة، وحياة يسودها الاستقرار السلطويّ، وأن يعمل الجميع على اختلاف انتماءاتهم وتوجّهاتهم، من منطلق أنها كيان واحد تحكمه سلطة واحدة لها دون غيرها الصلاحيّة القانونيّة الوحيدة (قانون واحد)، وبيدها فقط ودون غيرها السلاح الواحد بل الأوحد، كنهاية لعهد تسييس السلاح أو السلاح الفصائليّ، خاصّة وأنه في حالتنا هذه المفتاح لنجاح هذه الخطّة (15 نقطة) والتدرُّج في تنفيذها من جهة، كما أنه من جهة أخرى فزَّاعة قد يتمّ استخدامها للتنصّل من التنفيذ، إسرائيليًّا على الأقلّ، كما تؤكّد التصريحات حول عدم الانسحاب إلى ما وراء الخطّ الأصفر أو إليه في حالات أخرى، حتى تتأكّد إسرائيل من نزع سلاح حماس نهائيًّا.
لجنة تحقّق دوليّة
ورغم أن الخطّة بالكثير من بنودها، تقع ضمن الإطار الواسع الذي اتّفق على تسميته بمجلس السلام الدوليّ ورئيسه دونالد ترامب والدول الأوروبيّة والعربيّة والمشاركة فيها، وخاصة البنود المتعلّقة بإعادة الإعمار بإشراف مجلس السلام واللجنة الوطنيّة، وفق جدول زمنيّ وآليّات تمويل تستند إلى القوانين الفلسطينيّة والمعايير الدوليّة، وتمويل عمل المؤسّسات العامّة والمؤسّسات الحكوميّة أو الرسميّة وضمان رواتب وحقوق وإمكانيّات عمل الموظّفين الحكوميّين وتسليح قوات الأمن واختيار أفرادها وفق اعتبارات مهنيّة واختبارات إضافيّة ضمن مجلس السلام، وإعادة هيكلة وبناء الجهاز الإداريّ بكامله وإنهاء الفحوصات الماليّة، وسداد الديون الماليّة التي تبلغ نحو 400 مليون دولار، وكذلك نشر قوات دولية لضمان انسحاب إسرائيل وقوة دوليّة مؤقّتة للفصل بين القوّات الإسرائيليّة ومناطق سيطرة اللجنة الوطنيّة، ومراقبة التزام الأطراف وتسهيل دخول الاحتياجات الإنسانيّة، أو ضمن إطار إقليميّ، وأقصد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة على مراحل وفق جدول زمنيّ متّفق عليه، مع النصّ على عدم إجبار السكان على مغادرة القطاع، وبكلمات أخرى ربط الانتقال بين مراحل الاتفاق بالتحقّق من تنفيذ التزامات المرحلة السابقة عبر لجنة تحقّق دوليّة، إلا أن نجاحها النهائيّ وقبله دخولها أصلًا حيِّز التنفيذ هو شأن فلسطينيّ داخليّ بحت أو ربما مسؤوليّة وطنيّة فلسطينيّة من الدرجة الأولى تتحملها حركة حماس دون غيرها وأكثر من غيرها (باعتبار حالة غزة ومأساتها اليوم والدمار الشامل فيها وعشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف الجرحى، وانعدام مقوّمات الحياة كلّها، النتيجة المباشرة لهجماتها في السابع من أكتوبر)، يرتبط خاصّة بتلك النقاط التي يتعلّق تنفيذها باعتبارات وقرارات فلسطينيّة داخليّة وتشكّل شرطًا أساسيًّا لتنفيذ باقي المراحل التي تليها ومنها إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيليّ، وأقصد تحديدًا بند تسليم حماس سلاحها وفق تفاصيل الخطّة وخاصة السلاح الثقيل والإنفاق وورشات تصنيع السلاح وصولًا إلى تطبيق مبدأ "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد" وبضمنه تسليم المهامّ المدنيّة والأمنيّة في قطاع غزة إلى لجنة وطنيّة فلسطينيّة مستقلّة خلال مرحلة انتقاليّة تبدأ خلال 14 يومًا من الموافقة كما جاء في البنود. وهذا هو الاختبار الحقيقيّ خاصّة وأن التاريخ الفلسطينيّ ومنذ عشرينيات القرن الماضي مرورًا بكافّة مراحل النزاع والصراع مع إسرائيل وحتى أوسلو وبعد تشكيل السلطة الفلسطينيّة وصولًا إلى سيطرة حماس على غزة عام 2007، فشل في تحقيق هذا المبدأ، أو ربما لم تفعل قياداته ما يلزم لتنفيذه، أو أنها أرادت ذلك لغايات في نفس يعقوب، بل إن الأمر وصل إلى أبعد من ذلك، وأقصد الاقتتال الداخليّ واستخدام سلاح فصيل ضد آخر، وغزة 2007 خير مثال وقبلها أحداث متشابهة في مخيّمات فلسطينيّة في دول عربيّة.
إنهاء الانقسام وحصر السلاح بيد الدولة وحدها
من هنا وقبل الخوض في تفاصيل هذا المبدأ "سلاح واحد، سلطة واحدة، وحكم واحد" وعدم وجوده حتى اليوم على أرض الواقع فلسطينيًّا، وأسباب ذلك وأخطاره ونتائجه المؤلمة، يجب الإشارة إلى كونه شعارًا سياسيًّا وقانونيًّا يهدف إلى إنهاء الانقسام وحصر السلاح بيد الدولة وحدها ومنع وجود جماعات مسلحة خارج أجهزة الدولة الرسميّة (حزب الله في لبنان هو المثال الحاليّ الأنصع على مخاطر وتبعات هذه الجماعات والتنظيمات، وقبله أسلحة الأحزاب والمجموعات الطائفيّة وما سبّبته من حرب أهليّة دامية هناك) وضمان مرجعيّة واحدة تخضع لها كافّة المؤسّسات الحكوميّة والإداريّة وكافّة أصحاب المناصب، وخلق وتكريس نظام قانونيّ وقضائيّ موحَّد ورؤية إداريّة موحّدة لضمان سيادة القانون، وهو حالة انتبهت إليها مثلًا وعلى سبيل المثال لا الحصر، القيادات اليهوديّة منذ اليوم الأول لقيام دولة إسرائيل، ووفقه فرض دافيد بن غوريون سلطة الدولة المركزيّة ونذكر هنا قضية سفينة ألتالينا عام 1948، حيث تم قصفها وإغراقها بينما كانت تحمل الأسلحة لمنظمة "إيتسيل" اليمينيّة (المنظّمة العسكريّة القوميّة) وإجبار هذه المنظمة على الخضوع لأوامر الجيش الجديد نحو إلغاء كافّة الفصائل والجماعات العسكريّة المستقلّة ودمجها قسرًا داخل الجيش الإسرائيليّ الموحّد تحت قيادة مركزيّة واحدة، وفرض القوانين على مختلف التيّارات السياسيّة دون استثناء، إلا أنه لم يُطبق في مناطق السلطة الفلسطينيّة لأسباب عديدة منها الانقسام السياسيّ وصراع السلطة بين فتح وحماس منذ اتفاقيّات أوسلو والتي رفضتها حماس وعملت على تقويضها عبر عمليّات انتحاريّة، وكانت ذروة هذا الصراع عام 2007، وسيطرة حماس على غزة بعد مواجهات مسّلحة مع حركة "فتح" وعمليّات تصفية واغتيالات قاسية وفظيعة، ما خلق سلطتين متنازعتين متقاتلتين وسلاحين مختلفين، إضافة إلى الانقسام الجغرافيّ العميق، وغياب التوافق بين الفصائل الفلسطينيّة حول أساليب الصراع وأهدافه، أي الخلاف بين طريق المفاوضات (فتح وباقي مركّبات منظّمة التحرير) والكفاح المسلّح (حماس والجهاد الإسلاميّ) واعتبارات فصائليّة داخليّة ضيّقة تتعلّق بمحاولات تكريس الوضع الذي كان قائمًا قبل أوسلو وتحديدًا في المراحل التي سبقت عودة منظّمة التحرير الفلسطينيّة إلى الضفة والقطاع عام 1994 وبعدها من حيث ميزان القوى واللجوء إلى السلاح كوسيلة لحلّ أي خلاف أو اختلاف، وبالتالي لم يتحقّق هذا المبدأ رغم مطالبة قيادات فلسطينيّة به لتحقيق الوحدة الداخليّة ومنع ازدواجيّة القرار بين الضفة الغربيّة وقطاع غزة، لكن الاعتبارات الفئويّة كانت صاحبة الغلبة والقرار، لتتغلّب المصلحة الفئويّة والحزبيّة على المصلحة العامّة. والشيء بالشيء يذكر، وتأكيدًا لما قلته أكثر من مرة من كون إسرائيل تصرّ على أن تصبح جزءًا لا يتجزّأ من الشرق الأوسط ، من حيث سوء الإدارة وتفضيل الفئويّة وتغليب الاعتبارات الشخصيّة، عادت هذه القضيّة، أي السلاح الواحد إلى الواجهة مع بداية عهد الحكومة الحاليّة على هيئة مطالبة من الوزير إيتمار بن غفير، وزير الأمن القوميّ بتعديل قانون عمل الشرطة ومنح المستوى السياسيّ أي الوزير نفسه، صلاحيّات تقرير نشاطها العملياتيّ وسياساتها وتوجّهاتها ونشاطاتها اليوميّة، وكذلك رغبته في إقامة حرس وطنيّ مسلّح يخضع له مباشرة وليس للحكومة ككل، أو للمستوى المهنيّ في الشرطة وتوزيع آلاف قطع السلاح على مواطنين دون استيفائهم الشروط القانونيّة، ما أثار المخاوف من حالة يتمّ فيها تسييس سلاح الشرطة وجعلها جماعة مسلّحة لا تخضع للمحاكم ولا للمستوى المهنيّ ولا تخدم المصلحة العامّة، بل تأتمر بأوامر شخصيّة سياسيّة لها مآربها وأهدافها الخاصّة ومواقفها المعارضة لمجموعات تختلف معها في الموقف والرأي السياسيّ، وبالتالي تميل إلى قمعها بأوامر مباشرة من المستوى السياسيّ، أو إرضاء له ومحاولة لنيل ثقته، وهو الحال في قضية أخرى لا تقلّ أهميّة تتعلّق بالمستوطنين في الضفة الغربيّة ووحدات الدفاع المناطقيّة المسلّحة والتي تشمل مستوطنين يقيمون في المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة غير القانونيّة، يحملون أسلحة من الجيش الإسرائيليّ ويرتدون زيّه، ويشكّلون في الواقع قوّة عسكريّة شبه مستقلّة تعمل بحكم اتّفاق ائتلافيّ خاصّ، تحت إمرة الوزير بتسلئيل سموتريتش، نائب الوزير في وزارة الأمن، والمسؤول عن الضفة الغربيّة، بمعنى أنها ليست كباقي وحدات الجيش التي تخضع مباشرة لقائد هيئة الأركان ووزير الأمن، وليس ذلك فقط بل إنها مجموعة مسلّحة تملك من منطلق كون أفرادها يقيمون في مستوطنات منها ما هو غير قانونيّ حتى في العرف الإسرائيليّ، رغم كون الاستيطان كله غير قانونيّ وفق القانون الدوليّ، ويحملون أجندات سياسيّة ودينيّة متطرّفة وخلاصيّة، تعتمد في معظمها على الإيمان بمبدأ أرض إسرائيل التوراتيّة، والنظر إلى الفلسطينيّين باعتبارهم العدو ومصدر الشرّ وفق منظور الشيطنة، الذي يتمّ فيه وفق الفيلسوف الألماني- الأمريكي باول تيليش، رفع أمّة أو حزب أو دين أو عرق أو زعيم ما إلى مرتبة التأليه، أو الإله الذي لا يأتيه الباطل، وبشكل يبرّر سحق الفرد وحتى إبادة الغير من هذا المنطلق وشرعنة قتلهم، انطلاقًا من اعتبار العرق الأعلى والأنقى، طرفًا يجمع بين القوة والعدالة ويحترم حريّة الكائنات، بينما "الطرف الشيطانيّ" يمتلك القوة لكنّه يفتقر إلى العدالة، ويسعى لتدمير الغير وقتله، ناهيك عن كلّ مظاهر الإرهاب الذي يمارسه المستوطنون والذي أصبح حدثًا يوميًّا لا يجد من السلطات في إسرائيل، الأمنيّة والسياسيّة بما فيها جهاز الأمن العامّ أي ردّ يذكر.
حالة جديدة في الولايات المتحدة
وعود على بدء، فالحديث عن نقاط الرئيس دونالد ترامب، ما سبق منها وما هو جديد، والتي رشحت أنباء عن أنها خرجت إلى حيز الوجود بمعرفة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رغم معارضته لبعضها، كما كشفت مصادر موثوقة بما يتعلّق بكونه اطّلع على البنود الخمسة عشر الأخيرة، وربما لم تعرض كاملة على وزرائه، وإذا ما أضفنا إلى ذلك وقف إطلاق النار مع إيران مرتين بقرار فردّي من ترامب وخلافًا لما تريده إسرائيل، لا يمكن اعتباره حديثًا عابرًا أو نوعًا من الخوض في العموميّات خاصّة وأنه يتزامن مع تصريحات رسميّة ومشاريع قرار تطالب بوقف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل وأصوات تنادي بوقف الدعم المالّي لها والذي يقدر بمليارات الدولارات سنويًّا، وكلّها تعكس حالة جديدة في الولايات المتحدة، أو ربما تكشف عن حالة كانت خافية ومدفونة، قوامها احتدام النقاش هناك، حول مضمون ومفهوم العلاقة مع إسرائيل وهل هي ذخر استراتيجيّ أم أنها عبء سياسيّ وأخلاقيّ، حيث ينقسم المحلّلون بين فريق يرى فيها شريكًا أمنيًّا وتكنولوجيًّا، وفريق آخر يعتبرها تكلفة باهظة على السياسة الخارجيّة الأمريكيّة، فهي في رأي الفريق الأول ذخر، لكونها قاعدة عسكريّة وحليفًا قويًّا يفرض النفوذ الأمريكيّ في الشرق الأوسط، مع التأكيد على التعاون الأمنيّ، وتبادل معلومات الاستخبارات وتطوير التقنيّات العسكريّة المتقدّمة، يقابله دعم سياسيّ متبادل وتنسيق المواقف في المحافل الدوليّة واستخدام واشنطن لحق النقض (الفيتو) لحماية إسرائيل، بينما يقول من يعتبرها عبئًا استراتيجيًّا، إنها تكلّف أمريكا غاليا من حيث الجانب السياسيّ وتورطها في أزمات المنطقة وحروبها، منذ حرب الخليج ومعلوماتها الاستخباريّة المغلوطة حول الأسلحة الكيماويّة العراقيّة، وتثير عليها غضب الشعوب العربيّة والإسلاميّة، وتتسبّب في انتقادات متزايدة للولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها حقوق الإنسان وتبعات الحروب المستمرّة وآخرها الحرب في غزة والحربين على إيران عامي 2025 وكذلك 2026، وما يرافق ذلك من استنزاف الخزينة الأمريكيّة عبر اضطرار واشنطن إلى تقديم مساعدات ماليّة وعسكريّة ضخمة سنويّة تؤثّر على الميزانيّة الأمريكيّة، مع الإشارة هنا إلى كتاب وضعه الباحثان جوهان ميرشهايمر من جامعة شيكاغو وستيفن وولت من جامعة هارفرد، عنوانه: "اللوبي الإسرائيليّ ـ والسياسة الخارجيّة للولايات المتحدة"، جاء فيه قولهما: "إنه بعد نهاية الحرب الباردة، أصبحت إسرائيل عبئًا استراتيجيًّا على الولايات المتحدة، لكن أيّ سياسيّ (أمريكيّ) يحاول الصعود إلى الأعلى (في السياسة الأمريكيّة) لن يقول ذلك علنًا، بل ولن يثير حتى الظنّ بأنه يفكر كذلك" والسبب هو قوة جماعة الضغط من أجل إسرائيل، والتي دفعت الولايات المتحدة إلى خطوات أثّرت سلبيًّا على سياساتها الخارجيّة، ومنها وقف الحوار مع مجموعات معتدلة في إيران، وعدم مواصلة الجهود من أجل إحراز تسوية مع الفلسطينيّين، ناهيك عن الحديث عن ولاء مزدوج لأعضاء في الكونغرس الأمريكيّ أحيانًا وتقديم وتفضيل مصالح إسرائيل على تلك الأمريكيّة الداخليّة، ولعلّ صوت جي دي فانس نائب الرئيس ترامب هو الأعلى والأوضح في ذلك.
بيضة القبان
ختامًا، ورغم ما سبق وبغضّ النظر عن منطلقات ودوافع من وضع النقاط العشرين وبعدها الخمس عشرة نقطة، وبصرف النظر عن العلاقات بين أمريكا وإسرائيل في عهد رئيس تحركه مصلحته الذاتيّة والشخصيّة، متجاهلًا التحالفات وغيرها من الاعتبارات، فإن الواقع في غزة اليوم واضح للعيان، ومفاده أن نزع سلاح حماس هو المدخل الوحيد إلى الخطوات التي تليه وبكلمات أخرى، فهو بيضة القبان التي ستحدد ما إذا كان الاتفاق سيصل مرحلة التنفيذ أم لا، وبكلمات أخرى، فإن نجاح مجلس السلام أو فشله ونجاح مساعي الإعمار وإعادة الحال في غزة وبعد الحرب والتدمير والقتلى، إلى ما يمكن أن يشكّل، أو يوفّر إمكانيّات للحياة بشروطها الأساسيّة والدنيا، هو قضية السلاح الواحد والسلطة الواحدة، وبكلمات أبسط تفضيل المصلحة الغزيّة والفلسطينيّة العامّة على مصلحة حماس الفئويّة الضيّقة ومصلحة قياداتها التي تريد استمرار السيطرة ولو مدنيًّا في غزة، فهل سترتفع حماس هذه المرة إلى مستوى المسؤوليّة الوطنيّة، بل الإنسانية بخلاف الماضي. إن الماضي سيتكرّر عبر تغليب المنطلق الفئويّ على المنطلق العام بعكس الشعارات الرنّانة، وبكلمات ابسط: هل سينجح الاتفاق بتنازل حماس عن سلاحها دون مناورة ودون تلاعب بالمصطلحات والحديث عن تجميد للسلاح أو غيره، أو ستتنازل تلك عن مليوني غزي وتتمسّك بسلاحها، وهل ستضحّي بمواطني غزة كلّهم، وتفرض عليهم سنوات من المعاناة والدمار والحرب مقابل تكريس بل تقديس سلطتها؟؟ الأسابيع القريبة القادمة، بل ربما الأيّام القادمة كفيلة بالردّ السريع... فهل سيكرّر التاريخ نفسه هنا مرّة أخرى، مع الإشارة إلى القول المشهور للفيلسوف كارل ماركس: "التاريخ يعيد نفسه مرتين الأولى كمأساة والثانية كمهزلة"؟؟؟ فإلى أيّ منهما تتّجه الأمور، مع التنويه إلى أن خياري المأساة والمهزلة سابقي الذكر، إذا ما عرقلت حماس الاتفاق، هما طامة كبرى، بل الحكم على مليوني فلسطينيّ بشقاء ومعاناة يمكن إنهاؤها إذا ساد التعقّل، وكان العقل سيّد الأحكام، فهل سيعود الحال، كما قال الشاعر، بما مضى، أم بأمر فيه تجديد؟
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]
