logo

‘ لا شيك مفتوح لأحد... الأمن الوطني الأردني هو الحَكَم الوحيد‘ - بقلم: عماد داود

بقلم: عماد داود
03-08-2026 15:12:19 اخر تحديث: 04-08-2026 04:46:07

أخطر ما يمكن أن تفعله دولة صغيرة هو أن تجعل نفسها قابلة للاستغناء عنها في حسابات غيرها. هذا بالضبط ما يفعله مقال الدكتور طارق سامي خوري حين يختزل خيارات الأردن بين وصايتين، متجاهلا أن جوهر السياسة الواقعية،

صورة شخصية

كما فهمه مكيافيلي قبل خمسة قرون، هو أن من يتسلح بسلاح غيره كليا يرتدي درعا إما يثقله أو يعريه في اللحظة الحاسمة. الدولة التي تسلم قرارها الأمني بالكامل لحليف، مهما بلغت قوته، تتحول من فاعل إلى أداة في يد غيرها. والأردن اختار عكس ذلك تماما: علاقة تُقاس وتُراجع، لا ولاء يُمنح مرة واحدة وللأبد.

فحين يحمي الجيش العربي سماء الأردن، فهو يدافع عن مبدأ واحد: أن للدولة حقا حصريا في تقرير ما يدخل أجواءها. وهذا المبدأ نفسه، لا الولاء لطرف بعينه، هو ما يحكم علاقة عمّان بواشنطن اليوم. والمنطق ذاته ينطبق معكوسا على طهران: فالشيطان الأكبر بالنسبة إليها شريك حين تتفق المصالح، وعدو حين تختلف؛ لا عداوة وجودية ثابتة تحكم العلاقة. وإذا كانت هذه البراغماتية مشروعة لإيران وحدها، فلماذا تصبح جريمة حين تمارسها عمّان؟

هنا تكمن المغالطة المركزية في مقاله: "السبب الأول". يجعل الضربة الأمريكية بداية كل شيء، متجاوزا عقودا من بناء أذرع مسلحة خارج سلطة الدول، وتكديس السلاح، وإدارة الصراعات بالوكالة. ولو طُبّق منطقه بأمانة كاملة، لوجب أن نسأل: أليست سوريا ولبنان والعراق واليمن نفسها حطبا وُضع في جوار المشروع الإيراني قبل أن يُوضع أي حطب في جوار أي قرار أمريكي؟ فإذا كان الجوار الجغرافي وحده كافيا لتحميل المسؤولية، فهذا المعيار يدين محور طهران بقدر ما يحاول أن يدين خصومه! وهذه أقسى أدوات النقض: أن تُقاس الحجة بمسطرة صاحبها.

يقول أيضا إن واشنطن تعلم مسبقا أن حلفاءها سيدفعون الثمن، وكأن هذه المعرفة تكفي لتحميلهم إياه شرعا. وهذا خلط بين التفسير والتبرير له اسم في نظرية الردع نفسها: تحويل توقع الخطر إلى ترخيص بارتكابه! فالردع بأكمله مبني على أن الأطراف تتوقع ردود بعضها بعضا، دون أن يمنح ذلك أيا منها حق استباق العقاب على طرف ثالث لم يتخذ القرار.

أما القواعد العسكرية، فهنا يكمن جوهر الخلل القانوني في مقاله. حتى لو شاركت قاعدة في عمل قتالي، فإن ذلك يفتح نقاشا حول وضعها هي، لا حول تحويل الدولة المضيفة بأكملها إلى طرف حرب. هذا هو الفارق بين الهدف العسكري والشخصية القانونية للدولة، وهو فارق ينهار كليا في مقاله. وإذا كان معيار القرب هو الحاكم فعلا، فالسؤال الذي لا مفر منه: لماذا يبقى الأسطول الخامس في الخليج نفسه خارج هذا الحساب في أغلب الأحيان، بينما تدفع دول لم تشارك القرار الثمن؟ سؤال يهدم اتساق حجته من الداخل!

وهنا، تحديدا، يعود السؤال إلى الأردن.

ومع ذلك فإن منطق المقال، حين يُطبَّق بحياد على كل حلفاء واشنطن في المنطقة، يضع الأردن ضمنا في دائرة المسؤولية، رغم أن المقال لم يذكره ولو مرة. فالأردن تحديدا لم يعلن حربا على إيران، ولم يشارك في القرار الأمريكي، ولم يسمح باستخدام أراضيه في هجوم عليها. وهذا خلط بين الفعل والانتماء، لو قُبل، لانهار أبسط مبدأ في العلاقات الدولية: أن السيادة لا تسقط بالجوار، ولا تنتقص بالتحالف.

وحتى القفزة الأخيرة في مقاله، من خروج أمريكا إلى زوال إسرائيل، تبقى فرضية سياسية لا نتيجة علمية. فالوجود الأمريكي مرتبط بشبكة مصالح أوسع من إسرائيل وحدها، من الطاقة إلى الملاحة إلى النفوذ الدولي. ونظام ردع معقد لا ينهار بمتغير واحد، مهما بدا مركزيا في الخطاب.

الدول تُقاس بقدرتها على أن يبقى قرارها ملكا لها، لا بعدد حلفائها! وحين يكون الأمن الوطني الأردني هو الحَكَم الوحيد، تسقط كل الشيكات المفتوحة، لأي عاصمة كانت!