
لكن كنت متعلقة بهِ لدرجة لا أستطيع التنفس إلا بحضورهِ. ما بالك لا تتكلم معي؟
هكذا قلت بيني وبين نفسي، فقد كنت اخاف عليهِ، أخاف أن يصاب بحزن إذا علمَ بأني تعبة أو حزينة.
لذلك كنت لا أعبر له عن مكنون أفكاري، بل تركتها حبيسة، خفت أن أتركها فأصاب بندم ولا أعود بعدها قادرة على إعادة ما تركه كلامي من أثر.
عشت أيامًا وأنا متخبطة بين حزن تعلق بالأهداب، وشعور لا أدري كيف أداريه عن الأهل والأصحاب. تركت كل شيء وغادرت نعم لقد قررت أن أهرب منه ومن كل شيء، ربما هذا الهروب الغير معلن يعيد لي القليل من راحة البال، ويعيد لي حبًا قد ضاع.
لكن عدت وراجعت أفكاري. قلت ربما الهروب ليس الوسيلة الأمثل، ربما يكون ضعفًا مني أو تنازلًا عن حقي.
لذلك قررت ولاء العودة عن قرارها، الذي لن يكون لصالحها. لذلك قررت أن تعيد رسم أفكارها من جديد، وأن تتبع خطة ربما تكون هي الأصح من وجهة نظرها.
أولًا البحث عن طريقة تعيد إليها حبيبها الذي لم يعد يهتم بها. وعندما تسأله ما الذي أشغلك عني، في كل مرة كان يخترع أعذارًا. مثل ما قيل في الأمثال "عذر أقبح من ذنب".
حتى جاء اليوم الذي فيه نفذت خطتها بحذافيرها. تركت له رسالة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي تقول له فيها:
بأنها عازمة على الرحيل، لكن هذه الرحلة لن تكون قصيرة، بل هي لأمدٍ طويلٍ. إذا أردت وداعي فأنا اليوم موجودة لكن غدًا لن تجدني.
أقفلت الرسالة وأرسلتها له، وجلست تنتظر منه الرد.
مرّت الساعات القليلة التالية وكأنها دهور. كانت كل دقيقة تمضي تثقل على صدري، وعيناي لا تفارقان شاشة الهاتف المحمول. أراقب متى دخل ومتى قرأ الرسالة، ونبضات قلبي قرعُ طبولٍ تصمُّ الآذان.
هل سيركض إليّ؟ هل سيفزع لعلمِهِ بأني سأغيب لأمدٍ طويل؟ أم أن البرود الذي تسلل إلى علاقتا سيجعل إجابته مجرد كلمات وداعٍ باهتة تشبه جفاء الأيام الأخيرة؟
وفجأة... أضاءت الشاشة.
ظهر اسمه، وتوقفت جزيئات الهواء في حنجرتي. لم تكن مجرد رسالة نصية، بل تململَ اسمُهُ على الشاشة متصلًا!
ترددتُ لثوانٍ، كانت يدي ترتجف وأنا أرفع الهاتف إلى أذني. أردتُ أن أبدأ بلهجة قاسية، أن أظهر بمظهر المرأة القوية التي اتخذت قرارها بلا رجعة، لكن صوتي خانني حين سمعت صوته مضطربًا، على غير عادته:
ولاء! ما هذا الكلام الذي أرسلته؟ أين أنتِ؟ وعن أي رحيل تتحدثين؟
كان في نبرته خوفٌ لم أعهده منذ زمن، خوفٌ أثلج صدري للوهلة الأولى وأعاد إليّ الأمل بأن الجمر لا يزال حياً تحت الرماد. لكنني تذكرتُ الخطة، وتذكرتُ كل المرارة التي عشتها وهو يخترع الأعذار الواهية.
تنهدتُ بعمق، وحاولتُ إحكام قبضتي على مشاعري وقلت بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
أتحدث عن رحيلٍ تأخرتُ فيه كثيراً. رحيلٍ أعيد فيه ترتيب حياتي التي أهملتُها وأنا أنتظر منك نظرة اهتمام أو كلمة صادقة.
ساد الصمت على الطرف الآخر، صمتٌ ثقيل كان يمكنني من خلاله سماع أنفاسه المتسارعة. لم يتوقع أن أواجهه بهذه الصراحة، ولم يكن معتاداً على "ولاء" التي تطالب بحقها وتضع حدوداً لغيابه.
قال بصوت منخفض، لا روح به هذه المرة:
ولاء... أنتِ لا تفهمين حجم الضغوط التي أعيشها... لم أكن أقصد إهمالكِ أبداً.
ابتسمتُ بمرارة وأنا أستمع لمقدمة العذر الجديد الذي سيتلوه عليّ، لكنني قطعتُ عليه الطريق هذه المرة وقلت له.
لا داعي للأعذار المكررة يا عزيزي. الأعذار لم تعد ترمّم ما انكسر، ولم تعد تطعم قلباً جاع للرعاية. أنا لم أتصل لأسمع تبريراً جديداً، بل اتصلتُ لأرى إن كان للودّ بقية... أم أنني كنتُ أرافق طيفاً لا وجود له إلا في خيالي.
عمّ صمتٌ خانق. شعرتُ بأنه يبتلع كلماته، وكأن الصراحة المباشرة أربكت كل حساباته. خُيّل إليّ للوهلة الأولى أنه سيعتذر، أو أنه سيقطع المسافات ليقف أمام بابي ويرفض هذا الرحيل.
لكن، جاءت المفاجأة من حيث لم أتوقع.
تغيرت نبرة صوته فجأة، وحلّ محل الخوف نبرةُ حِدّة وكبرياء مجروح، وقال بصوت جاف:
إن كنتِ قد اتخذتِ قراركِ بالفعل وأعدَدْتِ حقائبكِ، فلماذا الانتظار؟ ولماذا هذه اللعبة؟ أردتِ الوداع؟ وداعًا إذن يا ولاء! لن أترجاكِ لتبقي، ولن أكون الشماعة التي تعلقين عليها تخبطاتكِ.
قبل أن تنبس شفتي بكلمة، أُغلق الخط!
ساد طنينٌ موجع في أذني. بقيتُ ممسكة بالهاتف لدقائق وأنا أتساءل: هل كانت هذه ردة الفعل التي انتظرتها؟ هل نسَمات الخوف الأولى في صوته كانت مجرد وهم، أم أن كبرياءه غلب حبه؟
انهمرت دموعي حارة على وجنتيّ، ليس بسبب الصدمة فحسب، بل لأن خطتي التي أردتُ بها استعادته... دفعت به إلى الهاوية، ووضعت حبنا بالفعل على حافة الضياع الحقيقي
الآن أصبحتُ أمام حقيقة مرة: إما أن ألملم بقايا كرامتي وأمضي في طريق الرحيل الذي ادّعيتُه، أو أن أضع حداً لهذه الخطة وأواجهه وجهاً لوجه قبل أن يضيع كل شيء للأبد.
مسحتُ دموعي بأطراف أصابعي. رفضتُ أن تكون هذه المكالمة الجافة والثرثرة الغاضبة هي السطر الأخير في حكايتنا. أردتُ أن أمنح هذا الحب فرصة حاسمة وأخيرة، بلا ألعاب ولا خطط، بل بمواجهة صريحة أضع فيها كل أوراقي على الطاولة؛ حتى لا أترك مجالًا للندم مستقبلاً.
جمعتُ بقايا شجاعتي وذهبتُ إلى المكان الذي طالما شهد بداياتنا. أرسلتُ له موقعي في رسالة اقتضبت كلماتها: "أنا هنا... للمرة الأخيرة.
مرّت الدقائق ثقيلة كأنها دهور، حتى ظهر ظلُّه من بعيد. كان يمشي ببطء، وكبرياؤه يسبق خطواته، لكن عينيه كانتا تفشيان تحيّراً وخوفاً مكتوماً.
عندما وقف أمامي، لم أنتظر منه أن يبدأ بالأعذار. نظرتُ في عينيه مباشرة، وقلت بنبرة هادئة يملؤها الحزن والصدق:
لم آتِ لأتحداك، ولا لأفرض عليك وجودي. أتيتُ لأن حبنا كان يستحق منا لحظة شجاعة واحدة بلا مكابرة. أنا تعبتُ من الجفاء، وإن كنتَ ترى في مشاعري ثقلاً عليك... فهذه لحظة الفراق الحقيقية.
ساد صمتٌ أليم. رأيتُ التردد يعتمل في ملامحه، وسقطت قشرة الغضب والجفاء التي تتستر بها. أراد أن يخطو خطوة نحو الأمام، أن يمدّ يده... لكنه بصلابته المعهودة اختار ألا ينكسر، وكأن اعترافه بالقصور هو هزيمة له!
في تلك اللحظة بالذات، انقشعت الغمامة عن عينيّ.
لم أعد أرى الحبيب الذي كنتُ أتحرق شوقاً للحديث معه، بل رأيت شخصاً يستكثر عليّ كلمة أمان واحدة. في تلك اللحظة الحاسمة، استرددتُ نفسي. لم أعد أبحث عن إنقاذ الحب، بل كنتُ أنقذُ ما تبقى من كرامتي.
ابتسمتُ له ابتسامة هادئة، ابتسامة خالية من الغضب والمتابعة، وقلت بصوت واثق:
شكراً لأنك جئت... وشكراً لأنك جعلتني أرى الحقيقة بوضوح.
استدرتُ ومضيتُ في طريقي. لم أكن أهرب منه هذه المرة، بل كنتُ أعود إليّ. تركتُ خلفي قصتنا على حافة الضياع، ومضيتُ بأقدام ثابتة نحو الشاطئ، مؤمنةً بأن غياب حبٍّ لا يمنحك الأمان هو أول خطوات السلام.
